تحية وفاء وتقدير للشعب الليبي
كتبها محـمد عمـر حسـين ، في 6 سبتمبر 2008 الساعة: 19:44 م
من الثوابت التي لا يقيل عنها النظام ولا يستقيل ، تعامله مع الليبيين كشعب جاهل ، مستعبد تائه .. لا تاريخ ، ولا ثقافة ، ولا رموز ، ولا أبطال له .. شعب ، في نظر النظام ، خال من الإبداع ، والمبدعين ، لا تقاليد ، ولا تراث ، ولا أصالة ، ولا أعراف ، ولا دور ، ولا عطاء ، ولا مساهمات له .. شعب ، جل ممارساته ، كتلة من الأخطاء ، لأنه؛ حسب الفقه الثوري ، لا يفقه دينهـ وواقعه ، وتاريخه ، إلى أن جاء النظام الحالي ، وأخرجه من الظلمات الى النور ..!!؟؟
لقد تميز الشعب الليبي ، كغيره من شعوب الأرض ، بالمساهمة والمشاركة والعطاء ، منذ أيام الدولة العبيدية ، التي تصدى فيها علماء ليبيا ، للدفاع عن السنة النبوية الشريفة ، عبر الحوارات ، والمناظرات ، والدعوة ، وحلقات العلم ، والكلمة الطيبة ، واللين .. ثم عبر التمرد على الدولة العبيدية ، إلى أن تم إسقاطها .. فكان لعلماء ليبيا ، دوراً بارزا ً، في إسقاط الدولة الفاطمية ( العبيدية ) ، وحفظ كيان السنة ـ والحمد لله ـ إلى يومنا هذا .. بل إلى يوم القيامة ، إن شاء الله .. وقدمت ليبيا لهذا الأمر ، مئات العلماء ، وآلاف المجاهدين والثوار ، قبل مئات السنين ، من إنقلاب سبتمبر ، في معركة شبيهة بمعركة السنة التي خاضها الليبيون ضد النظام الحالي ..
وقام الليبيون بعشرات المحاولات لإصلاح الدولة العثمانية ، بل والخروج عليها بالقوة ، كلما بالغت في الإنحراف عن مسار الدولة الطبيعية ..
وشهدت ليبيا مولد الحركة السنوسية ، ولمس الليبيون دورها الرائد في التاريخ كاحدى الحركات الإسلامية الكبرى ، وخاصة في مجال الدعوة في ليبيا وخارج ليبيا ، فنشرت الاسلام .. في ربوع أفريقيا وغير أفريقيا ، ورفعت رايات الجهاد ضد فرنسا وبريطانيا وإيطاليا ، وكان عطاؤها عطاءً رائعاً مميزاً ، في ميدان العلم والدولة والإنسان ، فكانت رسالتها الجهادية مصحوبة برسالة الإصلاح المدني والنهضة السياسية والثقافية والإجتماعية ، وكانت نشاطاتها تتم على أيدي ليبية بصرف النظر عن موطن المؤسسين أو مكان مولدهم ، بل إن من أعظم قادة السنوسية ، ولدوا وترعرعوا وعملوا وجاهدوا واستشهدوا في ليبيا ، قبل عشرات السنيين من انقلاب سبتمبر 1969م ..
وجاهد الليبيون ضد الغزاة الإيطاليون جهاداً جعل الجندي الإيطالي يناشد صليبه النجاة ، وذلك قبل انقلاب سبتمبر بأكثر من خمسين عاماً . كما أظهر الليبيون ، أثناء النضال السياسي من أجل تأسيس الدولة الليبية الحديثة ، مهارة سياسية فائقة ، يمكن أن نلمسها في تأسيس الجمهورية الطرابلسية ( 1918م ) أي قبل 51 عاماً من انقلاب سبتمر ، ناهيك عن تنظيم المظاهرات والاعتصامات وعقد المؤتمرات وتأسيس الجماعات والأحزاب والحركات وإصدار الصحف والبيانات والمنشورات ، بالإضافة إلى التحرك الجاد المكثف في المحافل الدولية ، تلك المهارة السياسية التي أدت إلى خلق أرضية سياسية صلبة تأسست عليها الدولة الليبية الحديثة ..
كما شارك الليبيون ، قبل قيام انقلاب سبتمبر ، بواحد وعشرين عاماً تقريباً ، أي عندما كان أغلب قادة هذا النظام يمرون بمراحل الطفولة الأولى ، شارك الليبيون ، في الجهاد ضد اليهود في حرب 1948م ، واستشهد الكثير منهم ، وعاد منهم الكثير ..
وقدم الليبيون الدعم المكثف المتواصل ، إلى اخوانهم في الجزائر ، أثناء حرب التحرير التي قادها الشعب الجزائري ضد فرنسا .. تلك الحرب التي وقف فيها الليبيون بقضهم وقضيضهم ، بما فيهم أولئك الذين لا يملكون قوت يومهم ، وقفوا وقفة رائعة مميزة . وقفة آثر فيها الليبيون شعب الجزائر على أنفسهم ، فأعطوا الغالي والنفيس ، ووقفة آثرن فيها نساء ليبيا أخواتهن وإخوانهن في الجزائر على فلذات أكبادهن ، فأعطين حليهن ودريهماتهن وملابسهن ، برغم الحاجة والفاقه في ذلك الوقت .. حدث ذلك قبل انقلاب سبتمبر بوقت طويل ..
وشهد العهد الملكي نشاطات معارضة سياسية وثقافية متنوعة ، منها مظاهرات الطلبة في ( 1963-1964م ) في طرابلس وبنغازي والزاوية والجميل ، وما تبع ذلك من سقوط الشهداء من الطلبة برصاص الشرطة في ذلك الوقت . كما حاولت القوات المسلحة الليبية القيام بانقلاب عسكري ضد النظام الملكي عام 1964م ، أي قبل خمس سنوات تقريباً من انقلاب سبتمبر ، ناهيك عن الانتفاضة الجماهيرية الضخمة التي انطلقت عام 1967م في جميع مدن وقرى ليبيا ، لتعبر عن التحام الشعب الليبي مع مصر وسوريا وتأييدهم في الحرب التي عرفت بحرب الأيام الستة ضد اليهود ..
وتوجت تلك الإنتفاضة بتمرد وحدات من الجيش الليبي ، تمردت على أوامر النظام الملكي واخترقت الحدود الليبية اثناء حرب 1967م بين مصر واليهود ، لتشارك في الحرب بجانب الجيش المصري دون أن تبالي بالأوامر العسكرية ، ثم عادت هذه الوحدات الى ليبيا بعد انقلاب سبتمبر ( 1969م ) على إعتبار أن النظام الجديد نظاماً .. ثائراً .. قومياً .. غاضباً .. ما جاء إلا ليدمر الصهيونية والإمبريالية والإستعمار.. فأحسوا بالأمان وعادوا إلى ليبيا .. أرض الوطن .. فقبض النظام الثوري في فترات لاحقة على بعضهم بحجج لا تخفى على القاريء ..!!
ولم يتوقف عطاء هذا الشعب على ما سبق ، فقد أبدى الليبيون معارضة عنيفة ضد النظام الحالي ، شملت جميع أنماط المقاومة ، بداية بالقول اللين والكلمة الطيبة ( رسائل الشهيد محمد مصطفى رمضان) الى العمليات الإستشهادية ( حركة الشهداء ) مروراً بكافة أشكال النضال السياسي ، وما شمل ذلك من مظاهرات وانتفاضات طلابية امتدت من 1973م الى 1976م ، إلى تاسيس الحركات والأحزاب والجماعات المعاصرة ، إلى العمليات الجهادية والإنقلابات العسكرية ، إلى غير ذلك من نشاطات متنوعة ، مبسوطة في عدة مصادر لمن أراد المزيد ..
وهكذا ..
لم يخل عصر من العصور ، ولا عهد من العهود ، دون أن يساهم فيه الشعب الليبي ، مساهمة جادة ، مميزة ، في جميع المجالات الثقافية والسياسية والإجتماعية ، ناهيك عن مساهمات أخرى .. في مجال الصحافة والرياضة والعلم والأدب والفن ، وغيرها من مجالات ، لا يتسع المكان للتفصيل فيها ؛ يعود بعضها إلى عشرات السنيين ، قبل انقلاب سبتمبر .. فتحية تقدير ووفاء ، لهذا الشعب الصابر الصامد ، على مر العهود والعصور ..
ولا يخفى على أحد ، أن النظام في ليبيا ، يحاول أن يطمس هذا العطاء ، لإدراكه أن التاريخ ، من أهم مصادر القوة للأمم والملل والنحل ..
يدرك النظام ذلك ؛ لكننا لا ندرك لماذا يفعل ذلك ، أي لماذا لا يريد النظام أن يستمد الشعب الليبي من تاريخه ، عوامل القوة ، والتفوق ، والتطور ، والإبداع ؛ ليصنع مستقبلاً أفضل ، كما تفعل شعوب الأرض ، على مدار التاريخ ..
لا ندرك ، لماذا يفعل النظام ذلك ، فطمس تاريخ الأمم ، أمر لا يمارسه ضد الشعوب ، إلا الإستعمار والأعداء والغزاة .!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























